أبي حيان الأندلسي

567

البحر المحيط في التفسير

ابن زيد : طاعنين في القرآن بقولهم : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ * « 1 » . وقال مجاهد في الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، بقولهم : شاعر وساحر وكاهن . مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ : أي في جهة بعيدة ، لأن نسبته إلى شيء من ذلك من أبعد الأشياء . قال الزمخشري : وهذا تكلم بالغيب والأمر الخفي ، لأنهم لم يشاهدوا منه سحرا ولا شعرا ولا كذبا ، وقد أتوا بهذا الغيب من جهة بعيدة من حاله ، لأن أبعد شيء مما جاء به الشعر والسحر ، وأبعد شيء من عادته التي عرفت بينهم وجربت الكذب والزور . انتهى . وقيل : هو مستأنف ، أي يتلفظون بكلمة الإيمان حين لا ينفع نفسها إيمانها ، فمثلت حالهم في طلبهم تحصيل ما عطلوه من الإيمان في الدنيا بقولهم : آمنا في الآخرة ، وذلك مطلب مستبعد ممن يقذف شيئا من مكان بعيد لا مجال للنظر في لحوقه ، حيث يريد أن يقع فيه لكونه غائبا عنه بعيدا . والغيب : الشيء الغائب . وقرأ مجاهد ، وأبو حيوة ، ومحبوب عن أبي عمرو : ويقذفون ، مبنيا للمفعول . قال مجاهد : ويرجمهم بما يكرهون من السماء . وقال أبو الفضل الرازي : يرمون بالغيب من حيث لا يعلمون ، ومعناه : يجازون بسوء أعمالهم ، ولا علم لهم بما أتاه ، إما في حال تعذر التوبة عند معاينة الموت ، وإما في الآخرة . وقال الزمخشري : أي يأتيهم به ، يعني بالغيب ، شياطينهم ويلقنونهم إياهم ، وقيل : يرمون في النار ؛ وقيل : هو مثل ، لأن من ينادي من مكان بعيد لا يسمع ، أي هم لا يعقلون ولا يسمعون . وَحِيلَ بَيْنَهُمْ ، قال الحوفي : الظرف قائم مقام اسم ما لم يسم فاعله . انتهى . ولو كان على ما ذكر ، لكان مرفوعا بينهم ، كقراءة من قرأ : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ « 2 » ، في أحد المعنيين ، لا يقال لما أضيف إلى مبني وهو الضمير بنى ، فهو في موضع رفع ، وإن كان مبنيا . كما قال بعضهم في قوله : وإذ ما مثلهم ، يشير إلى أنه في موضع رفع لإضافته إلى الضمير ، وإن كان مفتوحا ، لأنه قول فاسد . يجوز أن تقول : مررت بغلامك ، وقام غلامك بالفتح ، وهذا لا يقوله أحد . والبناء لأجل الإضافة إلى المبني ليس مطلقا ، بل له مواضع أحكمت في النحو ، وما يقول قائل ذلك في قول الشاعر : وقد حيل بين العير والنزوان فإنه نصب بين ، وهي مضافة إلى معرب ، وإنما يخرج ما ورد من نحو هذا على أن القائم مقام الفاعل هو ضمير المصدر الدال عليه ، وحيل هو ، أي الحول ، ولكونه أضمر لم يكن مصدرا مؤكدا ، فجاز أن يقام مقام الفاعل ، وعلى ذلك يخرج قول الشاعر :

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 25 وغيرها من السور . ( 2 ) سورة الأنعام : 6 / 94 .